الثلاثاء، أكتوبر 18، 2005

رزة مصباح الغلابة

مصباح الغلابة

عندما عاد اسماعيل بطل رواية يحيى حقى " قنديل أم هاشم" من بعثته حاملا شهادة الدكتوراه ، كان أول شىء فعله أن أهان أهله و عشيرته ، و سخر من حياتهم و من عقيدتهم و أفكارهم . فالعلم الذى حصل عيه فى الغرب جعله يشعر أنه لا ينتمى إليهم ، ولا يقترب من عالمهم المتخلف ، ووقف بشكل متعال يدينهم و يتهكم عليهم ، يطعن فيهم ، و يعيرهم بجهلهم و فقرهم ، و سقوطهم فى لجة الخرافات ، مع أن هؤلاء (الجهلاء) هم الذين صرفوا عليه من قروشهم القليلة حتى يتعلم و يعود بعلمه ليكون مصباحا ينير طريقهم ، و يفتح لهم آفاقا جديدة ، و يحفر ثغرة فى حائط الظلام ، الذى يرفضونه و يناضلون من أجل تحطيمه .

اسماعيل هو المثقف الذى طردته ثقافته بعيدا عن أهله ، فأصبح علمه كارثة ، و شهادته عبئا ثقيلا على تقدم الواقع خطوة للأمام .

وعندما قرأت مؤخرا الإهداء الذى كتبه الدكتور أحمد عبدالله ، وصدر به رسالته العلمية لجامعة كمبردج ، شعرت بالفرح الحقيقى ، فالرجل أهدى بحثه العلمى ، الذى عكف عليه عشر سنوات كاملة لأهالى حى " مصر القديمة " بالقاهرة ، للبسطاء الذين خرج من أجلهم ليتعلم ، و يعود بعلمه و تحصيله إليهم مرة أخرى ليساهم معهم فى تحطيم جدار التخلف .

د. احمد عبد الله قدم بحثه لأهالى" مصر القديمة" ، و لأبناء حيه فى "عين الصيرة" ، هؤلاء الذين لا يقرأون ولا يكتبون إلا أنهم علموه ، و ثقفوه ، ومنهم ومن حياتهم إستمد العلم الحقيقى والوعى ، الذى يجعل الإنسان الصادق يعرف أين يقف و مع من يكون موقعه .

وهذا الإهداء المعبر ، الذى يعطى لأهله، فكّرنا ببعض مقاطع قصيدة عبد الرحمن الأبنودى ، التى تتحدث عن أنه إذا لم يكن العلم مصباحا للغلابة فلا فائدة ولا رجاء فى ثقافة أو فكر أو تحصيل .

وقد ظل أحمد عبد الله مخلصا بشكل كامل للناس الذين دفعوه للهجرة الطويلة من أجل العلم ، فلم يخنهم أو يحطم آمالهم ، وإنما على العكس كان مثالا للابن الأمين ، المتمثل لمصالحهم وأمانيهم ، ورغم المكابدة الطويلة إلا أن عزيمته لم تهن ، ورغم الظروف الصعبة والمركبة إلا أنه صمم على أن تكون مصاريف دراسته نتيجة جهده الذاتى ، و قادمة من القروش القليلة التى يرسلها له أهالى "عين الصيرة" البسطاء ، لذلك رفض الارتزاق تحت أى شرط ، و لم يتنازل قيد أنملة عن فكره مهما كانت الضغوط .

وهذا النموذج يبين و يكشف طبيعة المعدن الأصيل ، الذى تتكون منه طبقاتنا الشعبية ، التى لا تعرف سوى الصلابة ، وتكافح ظروفا صعبة ، إلا أنها لن تتنازل عن عقيدتها تحت أى إغراء ، مهما كانت قوته .

وإذا كانت هناك نماذج عديدة مثل تلك التى صورها حيى حقى فى رائعته الروائية ، إلا أن الواقع اليومى يفرز أنماطا أخرى أكثر اتساقا مع نفسها ، و أكثر صدقا ووعيا و معرفة بظروفها ، و موقعها الحقيقى .

وأحمد عبد الله ، الذى يترجم صلابة جيل كامل ، وعانى بشكل مكثف من ردة السبعينات ، بيّن أن رموز هذا الجيل ، التى جاءت بعد مخاض رهيب ، هى القادرة على حمل الأمانة ، و تحقيق حلم بسطاء "مصر القديمة" "والسيدة زينب" و" شبرا" ، وأنهم منذ عام 1968 يرفعون اسم مصر عاليا و يناضلون بدون هوادة لترجمة حق شعبها فى حياة حرة كريمة .

والذى يجعلنى أكتب هذا الكلام هو أن أحمد عبدالله بالذات ، كان صوته فى يناير 1972 يجلجل فى جامعة القاهرة رافضا مسيرة الردة الساداتية بمختلف توجهاتها، و مازال بعد 12 سنة كاملة يحمل نفس الرنين الصادق ، و نفس الانتماء .

بداية مرحلة جديدة سيعانق فيها الفكر الواقع ، و سيحضن الحلم ملامح الحقيقة .

( يسرى حسين : جريدة "العرب " الدولية – 18/1/1984 )

4 Comments:

At 8:50 م, Blogger عبدالله النديم said...

يا ريت تضيفوا عداد عشان تعرفوا كام زائر ممكن تجيبوا عداد من الموقع ده
http://www.freelogs.com/create.php
ولو احتاجتوا اى مساعدة ممكن تبعتوا لى على الايميل ده
yalaeg1@yahoo.com
ياسر عبدالله
عضو الحملة الشعبية(الحرية الآن)

 
At 12:17 ص, Blogger shady said...

بالتوفيق يا رب

 
At 11:37 م, Blogger أبو العربى said...


لو كان لى مليون صوت إنتخابى فى
دائرة مصر القديمة لتشرفت بمنحهم جميعا ودون تردد للرجل الشريف والمثقف الملتزم وطنيا الأستاذ الدكتور أحمد عبد الله رزة 00
وأدعو أخوانى من شتى القوى الوطنية تدعيم أستاذنا أحمد عبد الله رزة والألتفاف حوله ومؤاورته 00

دكتور رزة
الله معك وقلوب كل الذين يحترقون فى أنتظار الفجر الصادق معك ،،،

 
At 11:47 م, Blogger أبو العربى said...

أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

 

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home